النووي

75

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

الْمُكْرَهِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِهِ ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْفِرَارِ . فَإِنْ فَارَقَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا ، خَرَجَ الْحِنْثُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ طَرِيقًا قَاطِعًا بِالْحِنْثِ ، وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . وَلَوْ فَرَّ الْحَالِفُ مِنَ الْغَرِيمِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْغَرِيمَ مُتَابَعَتُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، حَنِثَ . وَلَوْ قَالَ : لَا افْتَرَقْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ ، أَوْ لَا تَفْتَرِقُ لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ فَالْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، فَأَيُّهُمَا فَارَقَ الْآخَرَ مُخْتَارًا ، حَنِثَ الْحَالِفُ . فَإِنْ فَارَقَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا ، فَفِيهِ الْخِلَافُ . وَلَوْ قَالَ : لَا افْتَرَقْنَا حَتَّى أَسْتَوْفِيَ ، أَوْ لَا نَفْتَرِقُ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُفَارِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ . وَأَصَحُّهُمَا : يَحْنَثُ بِمُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ ، لِأَنَّهُ يُقَالُ : افْتَرَقَا . فَرْعٌ النَّظَرُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، فَإِذَا قَالَ : لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ وَفَارَقَهُ ، حَنِثَ ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْبَرَّ بِاخْتِيَارِهِ ، وَهَلْ يُحْكَمُ بِالْحِنْثِ بِنَفْسِ الْإِبْرَاءِ ، أَمْ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ ؟ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَظَائِرِهِ . وَلَوْ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ ، فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فَفَارَقَهُ ، فَفِيهِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ . وَإِنْ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ . وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ قَالَ : لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ ، حَنِثَ . وَلَوْ أَحَالَهُ الْغَرِيمُ عَلَى رَجُلٍ ، أَوْ أَحَالَ هُوَ عَلَى الْغَرِيمِ غَرِيمًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، ثُمَّ فَارَقَهُ ، فَطَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ أَمِ اعْتِيَاضٌ ؟ إِنْ قُلْنَا : اسْتِيفَاءٌ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِيفَاءَ حَقِيقَةٍ وَحَيْثُ جَعَلْنَاهَا اسْتِيفَاءً ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَالِاسْتِيفَاءِ فِي